@n.urij: ليس كلُّ من وقف في منتصف الطريق كان عادلًا، وليس كلُّ من اختار الصمت نجا من مسؤولية الموقف؛ فهناك أوقاتٌ لا يكون فيها الحياد اتزانًا، بل تخلّيًا مُهذّبًا عن الحق، وانسحابًا من معركةٍ لا تحتاج إلى كثرة المتفرّجين بقدر ما تحتاج إلى أصحاب المبدأ. حين يقف الباطل في وجه الحق، لا تعود المسألة مجرّد اختلاف في وجهات النظر، ولا يصبح الصمت دليل حكمة في كل الأحوال؛ لأنّ بعض المواقف لا تحتمل أنصاف المواقف، وبعض الحقائق لا تحتاج إلى من يراقبها من بعيد، بل إلى من يمتلك شجاعة الوقوف في صفّها، وإن كلّفه ذلك شيئًا من راحته أو مصالحه أو علاقاته. والمؤسف أنَّ بعض الناس يظنّون أنّهم حين لا يشاركوا في الظلم فقد أدّوا ما عليهم، وينسون أنّ للحقّ حقًّا في النصرة، وأنّ ترك المظلوم وحيدًا ليس دائمًا موقفًا بريئًا، وأنّ النجاة بالنفس حين تكون الكلمة واجبًا قد تجعل المرء بعيدًا عن الأذى، لكنها لا تجعله بالضرورة في صفّ العدالة. فالحياد الذي يُمارَس أمام الظلم قد يمنح الباطل مساحةً أوسع، ويترك الحقّ مكشوفًا في مواجهة من لا يتردّدون في نصرة مصالحهم. ليس مطلوبًا من الإنسان أن يخوض كلّ معركة، لكن حين يتبيّن له الحقّ، ويعرف موضع الظلم، ثم يختار الصمت خوفًا من تبعات موقفه، فعليه ألّا يخلط بين سلامة موقفه وسلامة صورته أمام نفسه؛ فثمّة فرقٌ شاسع بين من لم يستطع نصرة الحقّ، ومن استطاع ثم آثر ألّا يفعل. وفي نهاية المطاف، لا تُقاس المبادئ بما نحمله من شعارات، ولا بما نقوله حين تكون الحقيقة بعيدة عن مصالحنا، بل بما نختاره حين يصبح للحقّ ثمن، وللصمت منفعة؛ فهناك مواقف تكشف حقيقة الإنسان أكثر مما تكشفها سنواتٌ من الكلام، وهناك صمتٌ لا يُدين صاحبه لأنّه لم يتكلّم فحسب، بل لأنّه ترك الحقّ يواجه الباطل وحده، ثم سمّى انسحابه حيادًا.