@sa.499: رحلت فاطمة غاضبة… وتركت خلفها سؤالاً ترتجف له القرون بسم الله الرحمن الرحيم عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى استشهاد الصدّيقة الكبرى، سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها)، وفق الرواية الثانية. ليست مصيبة الزهراء مجرد صفحةٍ من صفحات التاريخ، ولا حكاية حزنٍ طواها الزمن، ولا ذكرى نُحييها بالدموع ثم نمضي. إنها مصيبةٌ تقف عندها القلوب حائرة، والعقول متسائلة، والضمائر أمام امتحانٍ عسير. كيف تحوّلت حياة بنت رسول الله، بعد رحيل أبيها، إلى أيامٍ من الحزن والاحتجاج والألم؟ وكيف رحلت عن الدنيا وهي واجدةٌ على قومٍ من أمة أبيها؟ كانت فاطمة بالأمس القريب ترى أباها رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكرمها ويعظّم منزلتها، ويقوم إليها إذا دخلت عليه، ويعلن للناس مكانتها في قلبه. كانت بضعةً من جسده، وريحانةً من روحه، وأمّ أبيها التي أحاطها بالمحبة والتكريم. ثم غاب رسول الله عن الدنيا. وما أقسى اليُتم حين يكون الراحل محمداً، وما أعظم الفاجعة حين تكون المفجوعة فاطمة! لم تفقد الزهراء أباً فحسب، بل فقدت السند الذي كانت ترى فيه رحمة الله للعالمين، وفقدت الصوت الذي كان يذكّر الأمة بحقها وحرمتها. وما إن توارى جسد المصطفى في الثرى حتى بدأت أيامٌ ثقيلة على قلب ابنته. لم تكن القضية، في وجدان الزهراء، مجرد أرضٍ تُطالب بها، ولا ميراثٍ يُختلف عليه؛ بل كانت قضية حقٍّ وعدالةٍ وموقفٍ من وصايا رسول الله وأهل بيته. لقد طالبت بحقها، واحتجّت، وأعلنت موقفها، ولم يكن غضبها أمراً عابراً يمكن للتاريخ أن يتجاوزه دون سؤال. ففي صحيح البخاري، في خبر مطالبتها بميراثها، ورد أنها غضبت وهجرت بعض أصحاب ابيها فلم تزل مهاجرتهم حتى توفيت. وهنا يقف الإنسان أمام حقيقةٍ تستحق التأمل العميق. إن التي غضبت ليست امرأةً مجهولة المنزلة، ولا شخصيةً عادية في تاريخ الإسلام. إنها فاطمة بنت محمد. إنها التي قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله): «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني». فكيف يُقرأ غضب الزهراء في ضوء هذا الحديث العظيم؟ وكيف يمكن للضمير المؤمن أن يمرّ على خبر رحيلها وهي غاضبة، دون أن يسأل عن أسباب غضبها وعن الحقوق التي طالبت بها؟ إن اختلاف الناس في تفسير تلك الوقائع لا يمحو ثقل السؤال، ولا يلغي ما حفظته كتب الحديث والتاريخ من خبر غضبها. وصية الليل… والقبر الذي لم يكشف سرّه ثم جاءت اللحظات الأخيرة من حياة الصدّيقة الطاهرة. وفي المرويات الشيعية تفاصيل موجعة عن مرضها ووصاياها وما جرى عليها بعد رحيل أبيها. لقد أوصت، بحسب تلك المرويات، أن يكون تشييعها ودفنها ليلاً، بعيداً عن حضور من لم ترغب بحضورهم. ويرد في صحيح البخاري أيضاً أن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) دفنها ليلاً. تأمّلوا هذه الصورة! بنت رسول الله، التي كان أبوها نور المدينة وهادي الأمة، تُشيّع في ظلمة الليل. تلك التي كان المسلمون يعرفون عظيم منزلتها، يغيب قبرها عن معرفة الناس على وجه التحديد. أيُّ رسالةٍ حملها ذلك الدفن؟ وأيُّ احتجاجٍ بقي صامتاً في ظلمة الليل؟ في الوجدان الشيعي، لم يكن خفاء قبرها تفصيلاً عابراً، بل صار شاهداً على مظلوميتها، وعلامةً على جرحٍ لم يندمل. فكم من إنسانٍ رحل وانتهت معه خصومات الدنيا، أما فاطمة فقد رحلت وبقي السؤال عن غضبها حيّاً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً. يوم تتكلم الحقوق… وتسقط الأعذار أيها المؤمنون… إن للمظلوم في هذه الدنيا دمعةً قد لا يراها الناس، وأنّةً قد لا يسمعها أحد، وحقاً قد يعجز عن استرداده. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) ويقول جلّ جلاله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) سيأتي اليوم الذي لا تنفع فيه المناصب، ولا تُنقذ فيه الألقاب، ولا تستطيع فيه القوة أن تحجب الحق. يومٌ تتساوى فيه الجباه أمام جلال الله، ويُسأل فيه كل امرئ عما قدّم وأخّر. وهنا يرتجف القلب عند تصور موقفٍ عظيم: ماذا لو حضرت الزهراء يوم القيامة مطالبةً بحقها، ووقفت خصماً لمن ظلمها؟ ماذا سيكون جواب من يثبت عليه ظلمها، حين لا يكون الحكم للناس، وإنما لله الذي يعلم السرائر؟ وماذا يكون موقفه إذا ذُكّر بقول رسول الله: «فمن أغضبها أغضبني»؟ إننا لا نجزم بتفاصيل مشهدٍ غيبي لم تثبت لنا كيفيته، ولكننا نعلم أن الله لا يضيع حق مظلوم، وأن كل ظلمٍ واقعٌ تحت عدله وحسابه. فكيف إذا تعلّق الأمر بحرمة بيت النبوة وبحق سيدة نساء العالمين؟ يا له من سؤالٍ ثقيل! هل يستطيع من ظلم فاطمة أن يفرّ من عدل الله؟ وهل تُنسى مظلمةٌ بقي صداها يتردد في قلوب الملايين؟ كلا، إن عدالة السماء لا تشبه أحكام الدنيا، وإن الحقوق التي تُهدر هنا لا تضيع هناك. يا رسول الله… هذه فاطمة يا رسول الله… هذه ابنتك التي كنت تقوم إجلالاً لها. هذه بضعتك التي أوصيت الأمة بحرمتها. هذه ريحانتك التي كان يؤذيك ما يؤذيها. رحلت بعدك بمدةٍ قصيرة، ولم تطل إقامتها